يعتقد كثير من الناس أن الحساسية تظهر في مرحلة الطفولة فقط، إلا أن الدراسات الطبية أثبتت أن الحساسية قد تظهر لأول مرة في أي عمر، حتى بعد سن الأربعين أو الخمسين. لذلك قد يتفاجأ شخص كان يتناول نوعًا معينًا من الطعام أو يستخدم منتجًا معينًا طوال حياته دون أي مشكلة، ثم يصاب فجأة برد فعل تحسسي تجاهه.
تُعرف هذه الحالة بالحساسية المفاجئة لدى البالغين، وهي ظاهرة أصبحت أكثر شيوعًا خلال السنوات الأخيرة نتيجة تغيرات نمط الحياة، والعوامل البيئية، والتلوث، والتغيرات التي تطرأ على الجهاز المناعي. وقد تتراوح أعراضها بين أعراض بسيطة مثل الحكة والعطاس، وأعراض خطيرة قد تهدد الحياة مثل صدمة الحساسية (التأق).
في هذه المقالة نستعرض بالتفصيل أسباب الحساسية المفاجئة لدى البالغين، وأبرز أعراضها، وطرق تشخيصها، والعلاجات المتاحة، بالإضافة إلى أهم وسائل الوقاية.
ما هي الحساسية؟
الحساسية هي استجابة غير طبيعية من الجهاز المناعي تجاه مادة تكون غير ضارة لمعظم الناس، وتسمى هذه المادة “مسبب الحساسية” أو “المستأرج”. وعندما يتعرض الشخص لهذه المادة، يطلق الجسم أجسامًا مضادة من نوع IgE تؤدي إلى إفراز الهيستامين ومواد كيميائية أخرى مسؤولة عن ظهور الأعراض.
تشمل مسببات الحساسية العديد من المواد مثل:
- بعض أنواع الأطعمة.
- حبوب اللقاح.
- الغبار وعث المنزل.
- وبر الحيوانات.
- الأدوية.
- لسعات الحشرات.
- العفن.
- بعض المواد الكيميائية ومستحضرات التجميل.
هل يمكن أن تظهر الحساسية فجأة؟
الإجابة هي نعم.
قد يتعرض الشخص للمادة المسببة للحساسية سنوات طويلة دون حدوث أي مشكلة، ثم يبدأ الجهاز المناعي فجأة في اعتبارها مادة ضارة، فينتج رد فعل تحسسي عند التعرض لها مرة أخرى.
ويرجع ذلك إلى أن تطور الحساسية يعتمد على تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية والمناعية، وليس على التعرض الأول للمادة وحده.
الأسباب الرئيسية للحساسية المفاجئة لدى البالغين
أولًا: التغيرات في الجهاز المناعي
مع التقدم في العمر يتغير أداء الجهاز المناعي، وقد يصبح أكثر حساسية تجاه بعض المواد التي كانت آمنة سابقًا.
كما يمكن أن تؤدي بعض الالتهابات الفيروسية أو البكتيرية إلى تغيير طريقة استجابة الجهاز المناعي، مما يزيد من احتمالية ظهور الحساسية.
ثانيًا: العوامل الوراثية
وجود تاريخ عائلي للحساسية يزيد من خطر الإصابة بها.
فإذا كان أحد الوالدين أو كلاهما يعاني من الربو أو الإكزيما أو حساسية الأنف، فإن احتمالية الإصابة بالحساسية تكون أعلى، حتى لو ظهرت في مرحلة البلوغ.
ثالثًا: التعرض المتكرر لمسبب الحساسية
قد يؤدي التعرض المستمر لمادة معينة إلى زيادة حساسية الجسم لها مع مرور الوقت.
ومن الأمثلة:
- العاملون في المختبرات.
- الخبازون الذين يتعرضون للدقيق يوميًا.
- العاملون في القطاع الصحي الذين يستخدمون القفازات.
- مصففو الشعر الذين يتعاملون مع المواد الكيميائية.
رابعًا: التغيرات الهرمونية
تلعب الهرمونات دورًا مهمًا في تنظيم الجهاز المناعي.
ولهذا قد تظهر الحساسية أو تزداد شدتها خلال:
- الحمل.
- انقطاع الطمث.
- اضطرابات الغدة الدرقية.
- استخدام بعض العلاجات الهرمونية.
خامسًا: التلوث البيئي
يزيد تلوث الهواء من تهيج الجهاز التنفسي، كما قد يجعل الجسم أكثر عرضة لتطوير الحساسية.
وتشمل مصادر التلوث:
- عوادم السيارات.
- دخان المصانع.
- التدخين.
- الجسيمات الدقيقة في الهواء.
سادسًا: التغير في النظام الغذائي
قد يؤدي إدخال أطعمة جديدة أو تناول أطعمة مصنعة بكثرة إلى زيادة احتمالية الحساسية.
كما تشير بعض الأبحاث إلى أن التغير في بكتيريا الأمعاء قد يؤثر في الجهاز المناعي ويرتبط بزيادة أمراض الحساسية.
سابعًا: الضغوط النفسية
الإجهاد المزمن لا يسبب الحساسية بشكل مباشر، لكنه قد يفاقم الاستجابة المناعية ويزيد من شدة الأعراض لدى الأشخاص المهيئين للإصابة.
أكثر أنواع الحساسية المفاجئة شيوعًا لدى البالغين
حساسية الطعام
يمكن أن تظهر فجأة تجاه أطعمة كان الشخص يتناولها لسنوات.
ومن أشهرها:
- الفول السوداني.
- المكسرات.
- البيض.
- الحليب.
- السمك.
- الروبيان والمحار.
- السمسم.
- القمح.
حساسية الأدوية
قد تظهر بعد تناول دواء سبق استخدامه مرات عديدة.
ومن أكثر الأدوية ارتباطًا بالحساسية:
- المضادات الحيوية.
- بعض المسكنات.
- أدوية التخدير.
- بعض أدوية الصرع.
حساسية حبوب اللقاح
تزداد خلال فصلي الربيع والخريف، وتشمل أعراضها:
- العطاس.
- سيلان الأنف.
- حكة العينين.
- احتقان الأنف.
حساسية الحيوانات الأليفة
قد تظهر فجأة نتيجة التعرض لوبر القطط أو الكلاب أو الطيور.
حساسية لسعات الحشرات
قد تسبب لسعات النحل أو الدبابير رد فعل تحسسي شديدًا لدى بعض الأشخاص.
أعراض الحساسية المفاجئة
تختلف الأعراض حسب نوع الحساسية وشدتها.
ومن أبرزها:
أعراض جلدية
- الحكة.
- الطفح الجلدي.
- الشرى.
- احمرار الجلد.
- تورم الشفتين.
أعراض تنفسية
- العطاس.
- السعال.
- ضيق التنفس.
- صفير الصدر.
- احتقان الأنف.
أعراض هضمية
- الغثيان.
- القيء.
- الإسهال.
- تقلصات المعدة.
أعراض العين
- الدموع.
- الحكة.
- الاحمرار.
- تورم الجفون.
صدمة الحساسية (التأق)
تعد أخطر أشكال الحساسية، وتتطلب تدخلاً طبيًا عاجلاً.
تشمل أعراضها:
- صعوبة شديدة في التنفس.
- تورم الحلق.
- انخفاض ضغط الدم.
- تسارع النبض.
- الدوخة.
- فقدان الوعي.
ويجب طلب الإسعاف فورًا عند ظهور هذه الأعراض، لأنها قد تهدد الحياة خلال دقائق.
كيف يتم تشخيص الحساسية؟
يعتمد الطبيب على عدة وسائل لتحديد السبب بدقة، منها:
التاريخ الطبي
يسأل الطبيب عن:
- توقيت ظهور الأعراض.
- نوع الطعام أو الدواء.
- وجود حساسية عائلية.
- الظروف المحيطة بظهور الأعراض.
اختبار وخز الجلد
يتم وضع كميات صغيرة من مسببات الحساسية على الجلد ثم وخزه برفق، فإذا ظهر احمرار أو تورم دل ذلك على وجود حساسية.
تحليل الدم
يقيس مستوى الأجسام المضادة IgE الخاصة ببعض مسببات الحساسية.
اختبار الاستبعاد الغذائي
يتم الامتناع عن الطعام المشتبه به لفترة ثم إعادة إدخاله تحت إشراف طبي إذا لزم الأمر.
علاج الحساسية المفاجئة
يعتمد العلاج على نوع الحساسية وشدتها.
تجنب مسببات الحساسية
وهو أهم خطوة في العلاج.
فعند معرفة المادة المسببة يجب تجنبها قدر الإمكان.
مضادات الهيستامين
تساعد على تخفيف:
- الحكة.
- العطاس.
- الطفح.
- سيلان الأنف.
الكورتيكوستيرويدات
قد تستخدم على شكل:
- بخاخات أنفية.
- كريمات جلدية.
- أقراص.
- حقن في بعض الحالات.
ويجب استخدامها وفقًا لتعليمات الطبيب.
موسعات الشعب الهوائية
تفيد عند وجود أعراض ربو مصاحبة للحساسية.
حقنة الأدرينالين
تستخدم في حالات صدمة الحساسية، وينصح الأشخاص المعرضون للتأق بحملها إذا أوصى الطبيب بذلك.
العلاج المناعي
يهدف العلاج المناعي إلى تعويد الجهاز المناعي تدريجيًا على المادة المسببة للحساسية.
ويتم ذلك بواسطة:
- الحقن.
- الأقراص تحت اللسان في بعض الحالات.
وقد يستمر العلاج عدة سنوات، لكنه يساعد في تقليل شدة الحساسية لدى بعض المرضى.
هل يمكن الوقاية من الحساسية؟
لا يمكن منع جميع أنواع الحساسية، لكن يمكن تقليل خطر حدوثها من خلال:
- تجنب المواد المسببة للحساسية.
- تنظيف المنزل من الغبار بانتظام.
- استخدام أغطية مقاومة لعث الغبار.
- تجنب التدخين.
- غسل اليدين بعد ملامسة الحيوانات.
- قراءة مكونات الأطعمة والأدوية بعناية.
- ارتداء الكمامة عند ارتفاع نسبة حبوب اللقاح إذا كان الشخص يعاني من حساسيتها.
- الحفاظ على نظام غذائي متوازن يدعم صحة الجهاز المناعي.
متى يجب زيارة الطبيب؟
ينبغي مراجعة الطبيب إذا:
- تكررت أعراض الحساسية.
- ظهرت أعراض جديدة بعد تناول طعام أو دواء.
- أثرت الحساسية في النوم أو العمل أو الدراسة.
- لم تتحسن الأعراض بالعلاجات المعتادة.
- حدث ضيق في التنفس أو تورم في الوجه أو الحلق.
الخاتمة
الحساسية المفاجئة لدى البالغين ليست أمرًا نادرًا كما يعتقد الكثيرون، بل هي حالة يمكن أن تظهر في أي مرحلة من العمر نتيجة تفاعل عوامل وراثية وبيئية ومناعية. وقد تكون الأعراض بسيطة يسهل السيطرة عليها، أو شديدة تستدعي تدخلاً طبيًا عاجلًا، لذلك فإن التعرف المبكر على مسببات الحساسية واستشارة الطبيب لإجراء الفحوص المناسبة يمثلان الخطوة الأهم في العلاج والوقاية من المضاعفات.
ويظل تجنب مسببات الحساسية، والالتزام بالعلاج الموصوف، واتباع نمط حياة صحي من أفضل الوسائل للتعايش مع هذه الحالة وتقليل تأثيرها في الحياة اليومية. كما أن زيادة الوعي بطبيعة الحساسية وأعراضها تساعد على التدخل المبكر عند حدوثها، مما يساهم في حماية صحة المريض وتحسين جودة حياته على المدى الطويل.
