الأمراض والحالات الطبيةاخبار و مقالات طبية

الأشياء التي تسبب السرطان علميًا: دليل شامل لفهم عوامل الخطر والوقاية

يُعد السرطان من أكثر الأمراض التي تشغل اهتمام العلماء والأطباء حول العالم، ليس فقط بسبب تأثيره الكبير على صحة الإنسان، بل أيضًا بسبب كثرة المعلومات المتداولة حول أسبابه، والتي يختلط فيها الصحيح بالخاطئ. فبينما تنتشر على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ادعاءات تربط كل شيء تقريبًا بالإصابة بالسرطان، تؤكد الدراسات العلمية أن السرطان مرض معقد ينشأ نتيجة تراكم تغيرات في المادة الوراثية داخل الخلايا، وأن معظم الحالات ترتبط بعوامل خطر معروفة ومدروسة.

ليس كل من يتعرض لعامل خطر سيصاب بالسرطان، كما أن بعض الأشخاص قد يصابون به دون وجود سبب واضح. ويرجع ذلك إلى التفاعل بين العوامل الوراثية، والبيئية، ونمط الحياة، والعمر، والصدفة البيولوجية التي قد تؤدي إلى حدوث طفرات في الخلايا.

تهدف هذه المقالة إلى استعراض أهم العوامل التي ثبت علميًا أنها تزيد خطر الإصابة بالسرطان، مع توضيح قوة الأدلة العلمية، والتمييز بين الحقائق والخرافات، وبيان وسائل الوقاية التي يمكن أن تقلل من خطر الإصابة.

ما هو السرطان؟

السرطان ليس مرضًا واحدًا، بل مجموعة كبيرة من الأمراض التي تتميز بنمو غير طبيعي للخلايا. في الظروف الطبيعية، تنمو الخلايا وتنقسم ثم تموت عندما تنتهي وظيفتها. أما في السرطان، فتفقد بعض الخلايا السيطرة على عملية الانقسام، فتستمر في النمو، وقد تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم.

ينشأ هذا الخلل نتيجة حدوث طفرات في الحمض النووي (DNA)، وقد تكون هذه الطفرات موروثة أو مكتسبة بسبب التعرض لعوامل بيئية أو سلوكية.

أولًا: التدخين ومنتجات التبغ

يعد التدخين السبب الأكثر أهمية للسرطان الذي يمكن الوقاية منه.

التدخين ومنتجات التبغ

يحتوي دخان السجائر على آلاف المواد الكيميائية، منها عشرات المواد المسرطنة التي ثبت أنها تسبب تلف الحمض النووي. ويرتبط التدخين بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة، والفم، والحنجرة، والمريء، والمثانة، والبنكرياس، والكلى، وعنق الرحم، والمعدة، وأنواع أخرى عديدة.

ولا يقتصر الضرر على المدخنين فقط، إذ يزيد التدخين السلبي أيضًا من خطر الإصابة بسرطان الرئة وأمراض القلب.

كما أن السجائر الإلكترونية ليست خالية من المخاطر، وما تزال آثارها طويلة المدى قيد الدراسة، إلا أنها ليست خيارًا صحيًا لغير المدخنين.

ثانيًا: الكحول

تشير الدراسات إلى أن شرب الكحول يزيد من خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان، منها:

  • سرطان الفم.
  • سرطان البلعوم.
  • سرطان الحنجرة.
  • سرطان المريء.
  • سرطان الكبد.
  • سرطان الثدي.
  • سرطان القولون والمستقيم.

ويزداد الخطر بزيادة كمية الكحول المستهلكة، ولا توجد كمية يمكن اعتبارها خالية تمامًا من الخطر فيما يتعلق بالسرطان.

ثالثًا: السمنة وزيادة الوزن

ترتبط السمنة بارتفاع خطر الإصابة بعدد كبير من السرطانات، مثل:

  • سرطان القولون والمستقيم.
  • سرطان الثدي بعد انقطاع الطمث.
  • سرطان بطانة الرحم.
  • سرطان الكلى.
  • سرطان الكبد.
  • سرطان البنكرياس.
  • سرطان المريء.

وتؤثر السمنة في مستويات الهرمونات والالتهابات المزمنة، مما يخلق بيئة تساعد على نمو الخلايا السرطانية.

رابعًا: قلة النشاط البدني

يؤدي نمط الحياة الخامل إلى زيادة خطر الإصابة ببعض السرطانات، حتى لدى الأشخاص غير المصابين بالسمنة.

وتساعد ممارسة النشاط البدني المنتظم في تحسين المناعة، وتنظيم الهرمونات، وتقليل الالتهابات، والحفاظ على وزن صحي.

خامسًا: النظام الغذائي غير الصحي

يرتبط النظام الغذائي ببعض أنواع السرطان، خصوصًا عند الاعتماد على:

  • اللحوم المصنعة بكثرة.
  • الإفراط في تناول اللحوم الحمراء.
  • الأغذية فائقة المعالجة.
  • قلة تناول الخضروات والفواكه.
  • الإفراط في السكريات والسعرات الحرارية.

أما تناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات فيرتبط بانخفاض خطر بعض أنواع السرطان ضمن نظام غذائي متوازن.

سادسًا: الأشعة فوق البنفسجية

الأشعة فوق البنفسجية

تعد الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس أو أجهزة التسمير الصناعي سببًا رئيسيًا لسرطان الجلد.

ويزداد الخطر مع التعرض المتكرر لحروق الشمس، خاصة في الطفولة.

تشمل وسائل الوقاية:

  • استخدام واقي الشمس.
  • ارتداء الملابس الواقية.
  • تجنب التعرض للشمس في ساعات الذروة.
  • الامتناع عن أجهزة التسمير.

سابعًا: الإشعاعات المؤينة

تشمل الأشعة السينية والمواد المشعة وغاز الرادون.

يمكن أن تؤدي الجرعات العالية أو التعرض المزمن إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان، إلا أن الفوائد الطبية للتصوير بالأشعة عند الحاجة تفوق عادةً المخاطر المحتملة، لأن الجرعات المستخدمة تكون منخفضة وتخضع للرقابة.

ثامنًا: بعض أنواع العدوى

تسبب بعض الفيروسات والبكتيريا والطفيليات نسبة من حالات السرطان عالميًا.

من أبرزها:

  • فيروس الورم الحليمي البشري، الذي يزيد خطر سرطان عنق الرحم وبعض سرطانات الفم والبلعوم.
  • فيروس التهاب الكبد B وC، اللذان يزيدان خطر سرطان الكبد.
  • بكتيريا الملوية البوابية، التي ترتبط بسرطان المعدة.
  • فيروس إبشتاين-بار، المرتبط ببعض أنواع الليمفوما وسرطان البلعوم الأنفي.

ولذلك فإن التطعيم ضد بعض الفيروسات وعلاج العدوى عند اكتشافها يعدان من وسائل الوقاية المهمة.

تاسعًا: التلوث البيئي

يمكن أن يزيد تلوث الهواء من خطر الإصابة بسرطان الرئة، خاصة مع التعرض طويل الأمد للجسيمات الدقيقة الناتجة عن عوادم المركبات والصناعة.

كما أن التعرض لبعض المواد الكيميائية الصناعية قد يزيد خطر الإصابة ببعض السرطانات حسب نوع المادة ومدة التعرض.

عاشرًا: المواد الكيميائية في بيئة العمل

المواد الكيميائية

قد يتعرض بعض العاملين لمواد مسرطنة مثل:

  • الأسبستوس.
  • البنزين.
  • بعض مركبات الكروم والنيكل.
  • غبار السيليكا.
  • بعض المبيدات في ظروف معينة.

ولهذا تفرض قوانين السلامة المهنية استخدام معدات الوقاية وتقليل التعرض لهذه المواد.

الحادي عشر: العوامل الوراثية

تشكل العوامل الوراثية نسبة محدودة من جميع حالات السرطان.

قد يرث بعض الأشخاص طفرات تزيد من احتمال الإصابة بأنواع معينة من السرطان، لكن وجود هذه الطفرات لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض، وإنما يزيد الاحتمال فقط.

ولهذا قد يُنصح بعض الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي قوي بإجراء استشارات وراثية وفحوص مناسبة.

الثاني عشر: العمر

يزداد خطر الإصابة بالسرطان مع التقدم في العمر بسبب تراكم الطفرات مع مرور الزمن وانخفاض كفاءة إصلاح الحمض النووي.

ولهذا فإن معظم حالات السرطان تُشخص لدى كبار السن، رغم إمكانية حدوثها في أي عمر.

هل السكر يسبب السرطان؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا أن السكر وحده يسبب السرطان.

الحقيقة أن جميع خلايا الجسم، بما فيها الخلايا السرطانية، تستخدم الجلوكوز كمصدر للطاقة. لكن تناول السكر بحد ذاته لا يسبب السرطان مباشرة.

مع ذلك، فإن الإفراط في تناول السكريات قد يؤدي إلى السمنة، والسمنة عامل خطر مثبت للعديد من السرطانات.

هل الهواتف المحمولة تسبب السرطان؟

حتى الآن، لم تثبت الأدلة العلمية القوية أن استخدام الهواتف المحمولة ضمن الحدود الطبيعية يزيد خطر الإصابة بالسرطان.

ولا تزال الأبحاث مستمرة لمتابعة الاستخدام طويل الأمد، لكن الهيئات الصحية لم تؤكد وجود علاقة سببية واضحة.

هل أفران الميكروويف تسبب السرطان؟

لا.

أفران الميكروويف تستخدم إشعاعًا غير مؤين، وهو لا يمتلك الطاقة الكافية لإحداث تلف مباشر في الحمض النووي.

وعند استخدام الجهاز بطريقة سليمة، لا توجد أدلة علمية تثبت أنه يسبب السرطان.

هل المحليات الصناعية تسبب السرطان؟

تشير التقييمات العلمية إلى أن المحليات الصناعية المصرح باستخدامها آمنة ضمن الحدود اليومية المقبولة، ولا توجد أدلة قوية على أنها تسبب السرطان لدى الإنسان عند استخدامها وفق الإرشادات.

هل المبيدات الحشرية تسبب السرطان؟

يعتمد ذلك على نوع المادة وكمية التعرض.

بعض المبيدات صُنفت على أنها قد تزيد خطر الإصابة بالسرطان في ظروف تعرض معينة، خاصة لدى العاملين الذين يتعرضون لها بكميات كبيرة ولفترات طويلة.

أما التعرض الغذائي الذي يخضع للرقابة التنظيمية فيختلف عن التعرض المهني المكثف.

هل التوتر النفسي يسبب السرطان؟

لا توجد أدلة قوية تثبت أن التوتر النفسي يسبب السرطان بشكل مباشر.

لكن التوتر قد يؤدي إلى عادات غير صحية مثل التدخين أو الإفراط في تناول الطعام أو قلة النوم، وهي عوامل قد تزيد خطر الإصابة بصورة غير مباشرة.

هل السرطان معدٍ؟

السرطان نفسه لا ينتقل من شخص إلى آخر بالمخالطة أو المصافحة أو مشاركة الطعام.

لكن بعض الفيروسات التي قد تزيد خطر الإصابة ببعض السرطانات يمكن أن تنتقل بين الأشخاص.

كيف يمكن تقليل خطر الإصابة بالسرطان؟

تشمل أهم وسائل الوقاية:

  • الامتناع عن التدخين بجميع أشكاله.
  • تجنب التدخين السلبي.
  • الحفاظ على وزن صحي.
  • ممارسة النشاط البدني بانتظام.
  • تناول غذاء متوازن غني بالخضروات والفواكه.
  • الحد من تناول اللحوم المصنعة.
  • تقليل استهلاك الكحول أو الامتناع عنه.
  • حماية الجلد من أشعة الشمس.
  • الحصول على اللقاحات الموصى بها مثل لقاح فيروس الورم الحليمي البشري ولقاح التهاب الكبد B.
  • المشاركة في برامج الكشف المبكر المناسبة للعمر وعوامل الخطر.
  • الالتزام بإجراءات السلامة في أماكن العمل.

الخلاصة

السرطان مرض معقد لا ينتج عادة عن سبب واحد، بل عن تفاعل عوامل متعددة تشمل الوراثة والبيئة ونمط الحياة. وقد أثبت العلم أن التدخين، والكحول، والسمنة، وبعض أنواع العدوى، والأشعة فوق البنفسجية، وبعض المواد الكيميائية، والتلوث، والإشعاعات المؤينة، من أهم العوامل التي تزيد خطر الإصابة.

وفي المقابل، لا تدعم الأدلة العلمية العديد من الادعاءات الشائعة التي تربط كل منتج أو تقنية حديثة بالسرطان. لذلك ينبغي الاعتماد على المعلومات الصادرة عن الهيئات الصحية والأبحاث العلمية المحكمة، وعدم الانسياق وراء الشائعات.

ورغم أنه لا توجد وسيلة تضمن الوقاية الكاملة من السرطان، فإن اتباع نمط حياة صحي، والابتعاد عن عوامل الخطر المعروفة، وإجراء الفحوصات الوقائية عند الحاجة، يمكن أن يقلل احتمال الإصابة بشكل ملحوظ ويحسن فرص الاكتشاف المبكر والعلاج الناجح.

زر الذهاب إلى الأعلى