خفقان القلب: الأسباب والأعراض المحتملة ومتى يستدعي القلق

يشعر معظم الناس في مرحلة ما من حياتهم بأن قلبهم “يقفز” في صدورهم أو يخفق بقوة وسرعة غير معتادة. قد يحدث ذلك بعد صعود الدرج، أو في لحظة خوف مفاجئة، أو في هدوء الليل وأنت مستلقٍ على السرير. هذا الإحساس هو ما يُعرف طبيًا بـخفقان القلب (Palpitations).

الخفقان في حد ذاته ليس مرضًا، بل هو عَرَض يصف إحساسك بضربات قلبك. في أغلب الحالات يكون سببه بسيطًا ومؤقتًا ولا يدل على مشكلة خطيرة، لكنه في حالات أخرى قد يكون الإشارة الأولى لاضطراب في نظم القلب أو لمرض آخر في الجسم يحتاج إلى علاج. ولذلك يهمّ أن نفهم هذا العَرَض جيدًا: ما الذي يسبّبه، وما الأعراض التي ترافقه، ومتى يجب أن نستشير الطبيب.

ما هو خفقان القلب؟

الخفقان هو وعيك الزائد بنبضات قلبك. في الوضع الطبيعي لا نشعر بنبض القلب أصلًا، لأن الدماغ يتجاهل هذه الإشارة المتكررة. وعندما تتغير قوة النبض أو سرعته أو انتظامه، ينتبه الدماغ فنشعر به.

يصف الناس هذا الإحساس بطرق مختلفة:

ولا يعني الشعور بالخفقان بالضرورة أن القلب يضرب بسرعة فعلية. فقد يكون النبض طبيعيًا تمامًا في الفحص، بينما يشعر الشخص بقوته بسبب القلق أو الانتباه الزائد للجسم. وقد يحدث العكس: اضطراب فعلي في النظم دون أن يشعر به المريض.

لمحة سريعة عن كهرباء القلب

لفهم أسباب الخفقان يفيد أن نعرف كيف ينبض القلب. في الأذين الأيمن مجموعة خلايا تسمى العقدة الجيبية الأذينية، وهي “منظّم الإيقاع الطبيعي”. تُطلق هذه الخلايا إشارات كهربائية منتظمة، فتنتقل الإشارة إلى الأذينين ثم إلى العقدة الأذينية البطينية، ثم تنتشر في البطينين فتنقبض عضلة القلب وتضخ الدم.

معدل النبض الطبيعي لدى البالغ أثناء الراحة يتراوح عادة بين 60 و100 نبضة في الدقيقة. وأي خلل في توليد هذه الإشارة أو في انتقالها، أو أي تأثير خارجي يحفّز القلب، قد يظهر في صورة خفقان.

الأعراض المحتملة المصاحبة للخفقان

الخفقان نفسه هو العَرَض الرئيسي، لكن ما يصاحبه من أعراض هو ما يساعد غالبًا على التمييز بين الحالة البسيطة والحالة التي تستدعي الاهتمام.

أعراض شائعة وغالبًا غير مقلقة:

أعراض تستدعي الانتباه:

كلما صاحب الخفقان إغماء أو ألم صدر أو ضيق نفس، زادت أهمية التقييم الطبي العاجل.

الأسباب المحتملة لخفقان القلب

يمكن تقسيم الأسباب إلى مجموعات رئيسية، وكثير منها متداخل.

أسباب مرتبطة بنمط الحياة

هذه من أكثر الأسباب شيوعًا، وهي قابلة للتعديل في الغالب:

الأسباب النفسية والانفعالية

ومن المهم ألا يُستبعد السبب النفسي بسهولة، ولا أن يُجزَم به قبل استبعاد الأسباب العضوية.

التغيرات الهرمونية والفسيولوجية

الأدوية والمكملات

بعض ما نتناوله قد يحفّز القلب دون أن ننتبه:

إذا بدأ الخفقان بعد تناول دواء جديد، فالأفضل مراجعة الطبيب أو الصيدلاني قبل التوقف عنه من تلقاء نفسك.

أسباب طبية غير قلبية

قد يكون القلب سليمًا، ويكون الخفقان نتيجة اضطراب في جزء آخر من الجسم:

الأسباب القلبية

وهي الأهم من ناحية الخطورة، رغم أنها ليست الأشيع:

1. الانقباضات المبكرة (الأذينية PACs أو البطينية PVCs): نبضات تأتي أبكر من موعدها، فتُحَسّ كأن القلب “فوّت” نبضة أو “قفز”. وهي شائعة جدًا وغالبًا حميدة عند من لا يعانون مرضًا قلبيًا آخر، لكن كثرتها الشديدة قد تستدعي تقييمًا.

2. الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation): أكثر اضطرابات النظم المستمرة شيوعًا، ويظهر كنبض سريع غير منتظم تمامًا. تزداد احتمالاته مع التقدم في العمر وارتفاع الضغط والسمنة. وأهم مخاطره زيادة احتمال تكوّن جلطات قد تسبب السكتة الدماغية، ولهذا يحتاج إلى تشخيص وعلاج.

3. التسرّع فوق البطيني (SVT): نوبات نبض سريع منتظم قد يبلغ 150 إلى 250 نبضة في الدقيقة، تبدأ فجأة وتنتهي فجأة، وتصيب غالبًا أشخاصًا أصغر سنًا.

4. التسرّع البطيني (Ventricular Tachycardia): اضطراب خطير ينشأ في البطينين، وقد يسبب إغماءً أو توقفًا للقلب، ويحتاج تدخلًا عاجلًا.

5. بطء القلب واضطرابات التوصيل: حين ينبض القلب ببطء شديد أو تتخلله فترات توقف، قد يشعر المريض بخفقان ثم دوخة أو إغماء.

6. أمراض الصمامات: مثل هبوط الصمام التاجي، وتضيق الصمامات أو ارتجاعها، وقد تصاحبها اضطرابات نظم.

7. اعتلال عضلة القلب وفشل القلب: ضعف العضلة أو تضخمها يهيّئ لاضطراب الكهرباء.

8. مرض الشرايين التاجية وما بعد النوبة القلبية: تلف النسيج قد يخلق بؤرًا كهربائية غير مستقرة.

9. الأمراض الخلقية والوراثية: كعيوب القلب منذ الولادة، ومتلازمة QT الطويل، ومتلازمة وولف باركنسون وايت، وهي حالات قد تصيب الشباب والرياضيين، وتحتاج انتباهًا خاصًا خصوصًا إذا وُجد تاريخ عائلي لموت مفاجئ.

علامات الخطر: متى يجب طلب الرعاية العاجلة؟

اطلب الإسعاف أو توجّه إلى الطوارئ فورًا إذا ترافق الخفقان مع أي مما يلي:

وراجع الطبيب في وقت قريب إذا:

كيف يُشخَّص سبب الخفقان؟

يبدأ التقييم بسؤال طبي مفصّل، وهو غالبًا أهم خطوة:

ثم تأتي الفحوصات حسب الحاجة:

العلاج والتدبير

يعتمد العلاج كليًا على السبب:

وفي كثير من الحالات يكفي الاطمئنان بعد استبعاد الأسباب الخطيرة، وهذا وحده يخفف الأعراض كثيرًا.

ماذا تفعل أثناء نوبة الخفقان؟

عند حدوث نوبة بسيطة دون علامات الخطر المذكورة:

  1. اجلس أو استلقِ وحاول الاسترخاء، فالتوتر يزيد النبض.
  2. تنفّس ببطء وعمق: شهيق من الأنف نحو أربع ثوانٍ، وزفير بطيء من الفم نحو ست ثوانٍ، وكرر ذلك عدة دقائق.
  3. اشرب الماء وتجنّب المنبّهات.
  4. جرّب المناورات المهدّئة للعصب الحائر، مثل الزفير القسري مع إغلاق الفم والأنف (مناورة فالسالفا) أو غسل الوجه بماء بارد، وهي قد تُنهي بعض نوبات التسرّع فوق البطيني. ويفضَّل أن يتعلمها الشخص من طبيبه، وألا يستخدمها من لديه مرض قلبي معروف دون استشارة.
  5. سجّل ما يحدث: وقت البداية والمدة والنبض إن أمكن وما كنت تفعله، فهذه المعلومات ثمينة للطبيب.

نصائح للوقاية وتقليل التكرار

أسئلة شائعة

هل الخفقان دليل على نوبة قلبية؟
ليس بالضرورة. النوبة القلبية تظهر عادة بألم أو ضغط في الصدر وقد يمتد إلى الذراع أو الفك مع تعرق وضيق نفس، والخفقان وحده ليس العَرَض النمطي لها.

هل يمكن أن يحدث الخفقان في الليل أثناء النوم؟
نعم، وقد يشعر به الشخص أكثر عند الاستلقاء لأن أذنه تكون قريبة من الوسادة وينتفي تشتيت الانتباه. وقد يرتبط أحيانًا بتوقف التنفس أثناء النوم أو بالارتجاع المعدي.

هل الخفقان خطر على الشباب؟
في أغلب الأحيان لا، لكن إن صاحبه إغماء أثناء الرياضة أو تاريخ عائلي لموت مفاجئ، فيجب فحصه بعناية.

هل يختفي الخفقان من تلقاء نفسه؟
في كثير من الحالات نعم، خاصة إن كان مرتبطًا بسبب عابر. لكن استمراره أو تكراره يستحق التقييم.

خاتمة

خفقان القلب تجربة شائعة تتراوح بين العَرَض العابر الحميد والإنذار المبكر لاضطراب يحتاج علاجًا. ولا تُقاس خطورته بشدة الإحساس به، بل بما يصاحبه من أعراض، وبحالتك الصحية العامة، وتاريخك العائلي، وما تكشفه الفحوصات. وأفضل ما تفعله هو أن تلاحظ ما يحفّز الخفقان، وأن تعدّل عاداتك المؤثرة، وألا تتجاهل علامات الخطر، وأن تطلب الاستشارة الطبية متى شعرت بالقلق. فالتشخيص المبكر والتدبير الصحيح يمنحان معظم المصابين حياة طبيعية ومطمئنة.

Exit mobile version